محمد بن جرير الطبري
164
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يقول تعالى ذكره : أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ محمد عَلَى الْهُدى يعني : على استقامة وسداد في صلاته لربه . أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى أو أمر محمد هذا الذي ينهي عن الصلاة ، باتقاء الله ، وخوف عقابه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى قال محمد : كان على الهدى ، وأمر بالتقوى . القول في تأويل قوله تعالى : أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى يقول تعالى ذكره : أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ أبو جهل بالحق الذي بعث به محمدا وَتَوَلَّى يقول : وأدبر عنه ، فلم يصدق به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى يعني : أبا جهل . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى . . . سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ يقول تعالى ذكره : ألم يعلم أبو جهل إذ ينهى محمدا عن عبادة ربه ، والصلاة له ، بأن الله يراه فيخاف سطوته وعقابه . وقيل : أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ، أرأيت إن كان على الهدى ، فكررت أرأيت مرات ثلاثا على البدل . والمعنى : أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ، وهو مكذب متول عن ربه ، ألم يعلم بأن الله يراه . وقوله : كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ يقول : ليس كما قال : إنه يطأ عنق محمد ، يقول : لا يقدر على ذلك ، ولا يصل إليه . قوله : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ يقول : لئن لم ينته أبو جهل عن محمد . لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ يقول : لنأخذن بمقدم رأسه ، فلنضمنه ولنذلنه ؛ يقال منه : سفعت بيده : إذا أخذت بيده . وقيل : إنما قيل لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ والمعنى : لنسودن وجهه ، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه كله ، إذ كانت الناصية في مقدم الوجه . وقيل : معنى ذلك : لنأخذن بناصيته إلى النار ، كما قال : فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ وقوله : ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ فخفض ناصية ردا على الناصية الأولى بالتكرير ، ووصف الناصية بالكذب والخطيئة ، والمعنى لصاحبها . وقوله : فَلْيَدْعُ نادِيَهُ يقول تعالى ذكره : فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره ، من عشيرته وقومه ، والنادي : هو المجلس . وإنما قيل ذلك فيما بلغنا ، لأن أبا جهل لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند المقام ، انتهره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأغلظ له ، فقال أبو جهل : علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي ناديا ؟ فقال الله جل ثناؤه : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ فليدع حينئذ ناديه ، فإنه إن دعا ناديه ، دعونا الزبانية . وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الأخبار ، وقال أهل التأويل . ذكر الآثار المروية في ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو خالد الأحمر ؛ وحدثنا أبو كريب ، قال : ثنا الحكم بن جميع ، قال : ثنا علي بن مسهر ، جميعا عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام ، فمر به أبو جهل بن هشام ، فقال : يا محمد ، ألم أنهك عن هذا ؟ وتوعده ، فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهره ، فقال : يا محمد بأي شيء تهددني ؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي ناديا ، فأنزل الله : فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ قال ابن عباس : لو دعا ناديه ، أخذته زبانية العذاب من ساعته . حدثني إسحاق بن شاهين ، قال : ثنا خالد بن عبد الله ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ، فجاءه أبو جهل ، فنهاه أن يصلي ، فأنزل الله : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى